تتركّز الأطعمة التي تحتوي على الكرياتين في المصادر الحيوانية: الأسماك وعلى رأسها الرنجة، ثم لحم البقر والسلمون والتونة، فالدجاج بدرجة أقل. أما الخضار والفواكه والحبوب والبقول فلا تحتوي عليه عمليًا، والحليب والبيض لا يقدّمان سوى آثار ضئيلة. وحتى مع نظام غني باللحوم والأسماك، يبقى بلوغ 3 إلى 5 غرامات يوميًا من الطعام وحده أمرًا صعبًا، كما يبيّن الجدول والحساب أدناه.
ما هو الكرياتين الغذائي ومن أين يأتي؟
الكرياتين مركّب طبيعي يصنعه الجسم، أساسًا في الكليتين والكبد، انطلاقًا من ثلاثة أحماض أمينية هي الأرجينين والجلايسين والميثيونين. ويُخزَّن معظمه، أي الغالبية العظمى منه، في العضلات الهيكلية، جزء كبير منه في صورة فوسفوكرياتين يساعد على إعادة تكوين الـATP، وهو الوقود الفوري للعضلة خلال الجهود القصيرة والعنيفة مثل رفع الأثقال أو العدو السريع.
اشترِ منتجات هذا المقال
يتحوّل جزء صغير من هذا المخزون كل يوم إلى كرياتينين يُطرح مع البول، فيجب تعويضه. ولدى من يأكل اللحوم والأسماك، يأتي هذا التعويض من مصدرين يساهم كلٌّ منهما بقدر متقارب: ما يصنعه الجسم بنفسه، وما يصله من الطعام، وهذا الجزء الثاني هو ما نسمّيه الكرياتين الغذائي. ولفهم آلية عمله في العضلة بالتفصيل، اقرأ ما هو الكرياتين وكيف يعمل.
جدول تقريبي: كمية الكرياتين في اللحوم والأسماك والدواجن
القيم التالية تقريبية وتخص الأطعمة النيئة، وهي مأخوذة من الجداول المرجعية المتداولة في أبحاث التغذية الرياضية. تختلف الأرقام بحسب النوع والقطعة وطريقة التربية أو الصيد، لذا استعملها لمعرفة ترتيب الأطعمة لا كقيمة دقيقة لكل طبق.
| الغذاء (نيء) | الكرياتين لكل كيلوغرام | ما يعادله لكل 100 غرام |
|---|---|---|
| الرنجة | 6.5 إلى 10 غ | 0.65 إلى 1 غ |
| لحم البقر | نحو 4.5 غ | نحو 0.45 غ |
| السلمون | نحو 4.5 غ | نحو 0.45 غ |
| التونة | نحو 4 غ | نحو 0.4 غ |
| الدجاج | نحو 3 إلى 4 غ | نحو 0.3 إلى 0.4 غ |
| سمك القدّ | نحو 3 غ | نحو 0.3 غ |
| الروبيان (القمبري) | آثار ضئيلة | آثار ضئيلة |
| الحليب | نحو 0.1 غ | نحو 0.01 غ |
| الخضار والفواكه والحبوب والبقول | شبه معدوم | شبه معدوم |
القاعدة العامة بسيطة: كلما كان الغذاء نسيجًا عضليًا من حيوان أو سمكة احتوى على الكرياتين، وكلما ابتعدنا عن العضلة، كما في الحليب والبيض والنباتات، قلّت الكمية إلى حدّ الإهمال.
الأسماك: الرنجة والسردين والتونة والسلمون
تحتل الأسماك رأس القائمة، والرنجة هي الأغنى بين الأطعمة المدروسة. يقترب السلمون والتونة من مستوى لحم البقر، وتأتي الأسماك البيضاء مثل القدّ بعدهما بقليل.
أما السردين، وهو من أكثر الأسماك استهلاكًا في تونس، فينتمي إلى عائلة الرنجة نفسها ويُعدّ مصدرًا جيدًا للكرياتين، غير أن الجداول المرجعية لا تعطيه قيمة موحّدة بدقة قيمة الرنجة. لذلك يكفي أن تعتبره ضمن الأسماك الغنية دون أن تبني حساباتك على رقم محدد.
وانتبه إلى المعلبات: التونة والسردين في العلب مرّا بمعالجة حرارية، فلا تنطبق عليهما أرقام السمك النيء، وإن بقيا مصدرًا عمليًا للبروتين.
ميزة إضافية للأسماك الدهنية كالرنجة والسردين والسلمون أنها تجمع بين الكرياتين والبروتين الكامل وأحماض أوميغا 3. ومن لا يأكل السمك إلا نادرًا يمكنه الاطلاع على أوميغا 3 من زيت السمك كخيار مكمِّل، مع أن السمك نفسه يبقى الخيار الأول.
اللحم الأحمر ولحم الضأن والدجاج
لحم البقر هو المرجع الكلاسيكي في الجداول، بنحو 4.5 غرامات لكل كيلوغرام نيء. ولحم الضأن، الحاضر بقوة في المطبخ التونسي، من فئة اللحوم الحمراء نفسها ويحتوي على كمية قريبة منها، وإن كانت قيمه المنشورة أقل توحيدًا.
يأتي الدجاج والديك الرومي بعد اللحم الأحمر بقليل، مع ميزة أن الصدر منهما قليل الدهون، والفرق في الكرياتين لا يبرر تغيير نظامك الغذائي من أجله وحده.
أما اللحوم المصنّعة مثل الكاشير والنقانق فلا يُعوَّل عليها كمصدر: نسبة اللحم فيها متفاوتة، وكثير منها يمر بمعالجة حرارية، وتحمل غالبًا ملحًا ودهونًا أكثر مما تحتاجه.
مثال عملي: حصة من 150 غرامًا من لحم البقر النيء تحتوي نظريًا على نحو 0.7 غرام من الكرياتين، وتنقص هذه الكمية بعد الطهي.
أثر الطهي والتجميد على محتوى الكرياتين
الحرارة هي العامل الأهم. عند الطهي بدرجات مرتفعة أو لمدة طويلة، يتحوّل جزء من الكرياتين إلى كرياتينين، وهو ناتج استقلابي لا يؤدي الدور نفسه في العضلة. لذلك يفقد اللحم المشوي على نار قوية أو المطهو طويلًا جزءًا من محتواه مقارنة بالأرقام النيئة في الجدول.
ولأن الكرياتين يذوب في الماء، ينتقل جزء منه عند السلق أو الطبخ في المرق إلى السائل. في الأطباق التي تُؤكل بمرقها، كالشربة أو الكسكسي، لا يضيع هذا الجزء كليًا، أما إذا سُكب ماء السلق فيضيع معه.
أما التجميد، فالمعطيات حوله أقل وضوحًا، ولا يُعدّ عاملًا رئيسيًا مقارنة بالحرارة. وللاحتفاظ بأكبر قدر ممكن:
- اطهُ اللحم والدجاج والسمك طهيًا كاملًا لسلامة الغذاء، لكن دون إفراط أو تحميص زائد.
- فضّل النار المتوسطة أو الفرن على الشوي الطويل فوق لهب مباشر.
- تناول صلصة الطبق أو مرقه عندما يناسب ذلك نظامك الغذائي.
هل توجد مصادر نباتية؟ وضع النباتيين
لا توجد أطعمة نباتية تقدّم كمية معتبرة من الكرياتين. قد تقرأ أحيانًا أن البقول أو المكسرات غنية به، والصحيح أنها تحتوي على الأحماض الأمينية التي يصنع منها الجسم الكرياتين، أي الأرجينين والجلايسين والميثيونين. وهذا يدعم التصنيع الداخلي، لكنه لا يعادل تناول الكرياتين نفسه.
لهذا يبقى تنويع مصادر البروتين النباتي مهمًا لمن لا يأكل اللحوم، لتأمين هذه الأحماض الأمينية وبقية احتياجاته من البروتين.
وتشير الدراسات إلى أن مخزون الكرياتين في عضلات النباتيين يكون في الغالب أقل مما هو عليه لدى من يأكلون اللحوم والأسماك، لأن طعامهم لا يمدّهم بأي كمية تقريبًا. ولهذا قد يلاحظ بعضهم فرقًا أوضح عند استعمال مكمل الكرياتين، مع أن الاستجابة تختلف من شخص إلى آخر ولا يمكن ضمانها مسبقًا.
هل يكفي الطعام لبلوغ 3 إلى 5 غرامات يوميًا؟ حساب عملي
الجرعة المعتادة للمحافظة في مكملات الكرياتين مونوهيدرات هي 3 إلى 5 غرامات يوميًا. لو حاولنا بلوغها من الطعام وحده، بالاعتماد على أرقام الجدول قبل الطهي، نحصل على ما يلي:
- من لحم البقر: نحو 670 غرامًا نيئًا لبلوغ 3 غرامات، وأكثر من كيلوغرام لبلوغ 5 غرامات.
- من الرنجة: ما بين 300 و460 غرامًا تقريبًا لبلوغ 3 غرامات.
- من الدجاج: ما بين 750 غرامًا وكيلوغرام كامل لبلوغ 3 غرامات.
وهذه كميات قبل خسائر الطهي، فالحاجة الفعلية أكبر. وأكل هذه الكميات من اللحم يوميًا غير واقعي لمعظم الناس، سواء من حيث الهضم أو السعرات أو الدهون أو الكلفة، ولا يتوافق مع مبدأ التنويع الغذائي. في المقابل، يوفّر نظام متوازن يتضمن اللحوم والأسماك بانتظام قرابة غرام واحد يوميًا وفق التقديرات المتداولة في المراجع العلمية.
وهذا لا يعني أن لديك نقصًا: الجسم يصنع الكرياتين، والطعام يكمل الباقي لتغطية الاحتياجات الأساسية. أما جرعة 3 إلى 5 غرامات فتتعلق بملء المخازن العضلية لغرض الأداء الرياضي، وليست حاجة غذائية على الجميع بلوغها.
الطعام أم المكمل: كيف تقرّر وكيف تستعمله؟
يبقى الطعام هو الأساس، لأنه يقدّم مع الكرياتين البروتين والحديد والزنك وفيتامينات المجموعة ب وغيرها. أما المكمل فيصبح خيارًا منطقيًا في حالات محددة:
- إذا كنت تمارس تمارين قصيرة وعالية الشدة ومتكررة، كرفع الأثقال أو العدو أو الرياضات الجماعية، فالكرياتين يزيد الأداء البدني خلال تمارين متتالية قصيرة المدة وعالية الشدة، ويظهر هذا الأثر مع تناول 3 غرامات يوميًا.
- إذا كنت نباتيًا أو تأكل اللحوم والأسماك نادرًا.
- إذا أردت جرعة ثابتة ومعروفة كل يوم دون تغيير نظامك الغذائي.
وفي المقابل، قد لا تحتاج إليه إذا كان نشاطك الرياضي خفيفًا أو كان هدفك الصحة العامة فقط. وإن قررت استعماله:
- اختر الكرياتين مونوهيدرات، فهو الشكل الأكثر دراسة، ويُفضَّل منتج يكون الكرياتين مكوّنه الوحيد.
- تناول 3 إلى 5 غرامات يوميًا مع الماء أو مع وجبة، فالمهم هو الانتظام لا التوقيت.
- مرحلة التحميل اختيارية، والجرعة اليومية الثابتة تملأ المخازن بدورها لكن على مدى أطول.
- اشرب كمية كافية من الماء على مدار اليوم.
ولتكوين فكرة متوازنة عن النتائج المنتظرة والآثار المحتملة، راجع فوائد وأضرار الكرياتين.
تنبيه: لا تتجاوز الجرعة المذكورة على العبوة. إذا كنتِ حاملًا أو مرضعًا، أو كنت تعاني من مرض في الكلى أو أي حالة صحية أخرى، أو تتناول أدوية بانتظام، فاستشر طبيبك قبل استعمال الكرياتين. ولا يُنصح به لمن هم دون 18 عامًا. والمكملات الغذائية لا تغني عن نظام غذائي متنوع ومتوازن ونمط حياة صحي.
خلاصة عملية
الكرياتين الغذائي موجود في العضلات الحيوانية: الرنجة والأسماك الدهنية أولًا، ثم اللحم الأحمر، ثم الدجاج. اطبخ باعتدال واستفد من المرق. وإذا كان هدفك الأداء في التمارين القصيرة والعنيفة، فابدأ بتقييم ما تأكله خلال أسبوع عادي، ثم قرّر على هذا الأساس ما إذا كان المكمل يضيف لك شيئًا فعلًا.







